عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
206
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
وقد صنعوا كتبا في صفات كل من الجواري . ومن قولهم : « من أراد النجابة فبنات فارس ، ومن أراد الخدمة فبنات قيصر ، ومن أردا غير ذلك فبنات بربر ، والمولدات والزنجيات للزمر ، والحبشيات للحفظ وخزن المال ، والنوبة للطبخ والأرمن للتربية والرضاع « 1 » » . وهكذا فقد انتقل الناس في العصر العباسي إلى عادات هذه الأمم وتقاليدهم وأفرطوا في ذلك . فقد احتفلوا مثلا بعيد النيروز وهو عيد للفرس لم نسمع به في العصر الأموي ، فجعله العباسيون عيدا قوميا يحفلون به حفلهم بعيد الفطر ويتبارون فيه بالهدايا والقصائد . ويجلس الخلفاء فيه للتهنئة . « وكانت هبات الأمويين وأعطياتهم من الإبل أخذا بمذاهب العرب وبداوتهم فأصبحت جوائزهم في دولة بني العباس أحمال المال وتخوت الثياب والخيل بمراكبها « 2 » » أسوة ببني فارس . كما كانت تقام الولائم في الأعياد وتقدم أصناف الطعام والشراب . مقلدين في ذلك الفرس . إذ أن الفرس منذ القديم ميالون إلى الترف ، ميالون إلى الافراط في الشراب والطعام ويروي حمزة الأصفهاني : أن بهرام جور أمر الناس أن يعملوا من كل يوم نصفه ثم يستريحوا ويتوفروا على الأكل والشراب واللهو . وأن يشربوا على سماع الغناء . فما ان قرت الدولة العباسية حتى عاد الفرس إلى سيرتهم الأولى ، فملؤوا الجو غناء وطعاما ونبيذا ولهوا وطربا . ودفعوا الناس إلى حياة ترف ألفوها هم وآباؤهم من عهد الأكاسرة وعلموهم كيف يكون الافراط في طلب الملاذ . من طرق فنية اكسبتهم إياها حضارتهم الفارسية بما فيها من التفننن في أنواع الطعام والشراب . أثر التطور في أطعمة العرب : ولأخذ فكرة عن هذا التحول الجديد في حياة العرب وابراز الفرق الشاسع بين حياة البداوة المعروفة بالتقشف والعفوية وحياة المدنية المفرطة في الاسراف والتصنع نسوق هذا الحديث الطريف الذي رواه ناهض بن ثومة الكلابي « 3 » حين انتجع يوما
--> ( 1 ) تاريخ التمدن الاسلامي : جرجي زيدان : ج 3 - ص 35 . ( 2 ) المقدمة لابن خلدون : ج 1 - ص 145 . ( 3 ) ناهض بن ثومة الكلابي العامري ، شاعر من العصر العباسي ، شاعر بدوي فارس فصيح ، كان يقدم إقليم البصرة فيكتب عنه شعره يروي صاحب الأغاني عنه أنه كان بدويا جافيا ، كأنه من الوحش ، وكان طيب الحديث ت نحو سنة 220 ه .